تسببت موجة حر استثنائية في ارتفاع هائل لاستهلاك الكهرباء، متجاوزة بذلك القدرة الوطنية على التوليد، ولتجنب انقطاع شامل للتيار الكهربائي، لجأت الشركة الوطنية إلى إجراء تخفيف الأحمال للحيلولة دون انهيار شبكة الكهرباء، التي تواجه ضغطاً كبيراً.
وسجلت درجات الحرارة مستويات استثنائية بالنسبة إلى هذه الفترة من العام، إذ بلغت ذروتها عند 48 درجة مئوية في المناطق الداخلية للبلاد، ووصلت إلى 49 درجة مئوية في مدينة توزر الجنوبية، وذلك وفقاً لبيانات الأرصاد الجوية. وأدت موجة الحر هذه إلى ارتفاع هائل في استخدام أجهزة تكييف الهواء في المنازل والمنشآت التجارية.
الطلب يتجاوز القدرة الإنتاجية
شهد استهلاك الكهرباء ارتفاعاً حاداً تجاوز 33 في المئة خلال ساعات الذروة، ليصل إلى 5000 ميغاواط، وذكرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز أن الاستهلاك القياسي للكهرباء، المرتبط بموجات الحرارة المرتفعة، دفع ذروة الطلب اليومي إلى تجاوز عتبة 5 آلاف ميغاواط.
وفي المقابل، تراوح القدرة الإنتاجية المتاحة للشبكة الوطنية حالياً ما بين 5 آلاف و5300 ميغاواط، غير أن الشركة تعتمد طاقة إنتاجية فعلية تقارب 4630 ميغاواط خلال أوقات الذروة.
خلق هذا التباين فجوة وعجزاً تشغيلياً يناهزان أو يتجاوزان 400 ميغاواط في بعض الفترات، وهو ما تعزوه الشركة إلى التداعيات الخطرة لظاهرة الربط العشوائي والاختلاس الطاقي.
وأعلنت الشركة عن انقطاعات في التيار الكهربائي تشمل عديداً من المحافظات وجميع فئات المشتركين، سواء في القطاع السكني أو الصناعي، في جميع أنحاء البلاد.
ومع ذلك أشارت الجهة المزودة للطاقة إلى أنها تمنح الأولوية للمستشفيات والمرافق الحيوية خلال تدابير تخفيف الأحمال هذه، أما في المناطق السكنية، فقد صممت عمليات قطع التيار لتكون قصيرة ومتباعدة زمنياً بهدف توزيع الأحمال على الشبكة بأكملها.
وأوضح الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز فيصل طريفة أن الطلب تجاوز القدرة الإنتاجية منذ عطلة نهاية الأسبوع الماضي. وقال "اضطررنا إلى تطبيق نظام القطع الدوري للتيار الكهربائي للحفاظ على استقرار الشبكة الوطنية وتجنب انقطاع شامل للكهرباء.
وتفاقمت حدة الانقطاع جراء خلل فني في الشبكة الجزائرية المترابطة، مما يحد حالياً من إمدادات الطاقة عبر خطوط الربط العابرة للحدود بين تونس والجزائر.
وذكر المتخصص في مجال الطاقة والمدير العام السابق لوكالة التحكم في الطاقة في تونس عزالدين خلف الله أنه الاعتماد على الغاز لتوليد الكهرباء يجرى بنسبة 92 في المئة في تونس، وتتزود تونس بالغاز من السوق الجزائرية من طريق عقود طويلة الأمد، وكذلك من إتاوة مرور أنبوب الغاز الجزائري "ترانسماد" إلى إيطاليا.
وتراجع إنتاج الغاز في تونس بسبب ضمور إنتاج الآبار القديمة وعزوف الشركات الدولية عن الحفر والتنقيب، وشهدت كمية الإتاوة الإجمالية من مرور أنبوب الغاز الجزائري انخفاضاً بنسبة 32 في المئة في أبريل (نيسان) الماضي، وفق آخر تقرير للوضع الطاقي نشرته وزارة الصناعة والطاقة، إذ بلغت 182 ألف طن مكافئ نفط، مقابل 267 ألف طن مكافئ نفط في أبريل 2025. وزادت مشتريات الغاز الجزائري بنسبة 12 في المئة، وتستورد تونس كميات جاهزة من الكهرباء من الجزائر، وارتفعت إلى 14 في المئة من استهلاكها عام 2025، و9 في المئة خلال الفترة الأولى من عام 2026.
وما تسبب في الوضع الراهن هو ارتفاع الطلب المحلي على الكهرباء في الجزائر خلال هذه الفترة التي تشهد موجة حر، مما أدى إلى اضطرابات في التزود بالكميات الإضافية التي تستوردها تونس من الكهرباء الجاهزة خلال فترة الذروة.
أثر اقتصادي جسيم
تعد التبعات الاقتصادية لأزمة الطاقة هذه جسيمة، ويقدر الاقتصادي حازم كريشان أن كل كيلوواط/ساعة غير موزع يمثل خسارة تراوح ما بين 4 دنانير (1.3 دولار) و5 دنانير (1.7 دولار) للاقتصاد الوطني.
وأفاد الاتحاد التونسي للصناعة والنسيج والملابس بحدوث تباطؤ في نشاط القطاع، الذي يعد ركيزة أساسية للصناعة التونسية الموجهة للتصدير، نتيجة الانقطاعات المتكررة للكهرباء.
ووفقاً لتوقعات الشركة التونسية للكهرباء والغاز، قد تستمر انقطاعات التيار الكهربائي حتى الـ22 من يوليو، مما يهدد عمليات الإنتاج لدى عديد من الشركات.
وتعاني المصانع في جميع القطاعات والشركات والمطاعم، ويعاني مقدمو الخدمات الذين يعتمدون على إمدادات كهرباء مستقرة تداعيات هذه الانقطاعات المتكررة، التي تتسبب في أضرار جسيمة، لا سيما خلال ذروة الموسم السياحي الصيفي، وفق كونفيدرالية المؤسسات التونسية المواطنة.
نقاط الضعف الهيكلية
قال المتخصص في مجال التنمية حسين الرحيلي إن الأزمة الحالية تكشف مدى هشاشة منظومة الكهرباء في تونس أمام الظواهر المناخية المتطرفة، إذ تجد الشبكة الوطنية، المصممة لتلبية مستويات طلب متوسطة، صعوبة في التعامل مع ذروة الاستهلاك الصيفي التي تزداد حدة بفعل الاحتباس الحراري.
وأشار الرحيلي إلى فشل تسريع وتيرة رفع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة لمجاراة هذه التغيرات على خلفية التأخير الذي شهده تنفيذ عدد من المشاريع بقدرة 350 ميغاواط، كان من شأنها رفع قدرات الشركة الوطنية.
غير أن مشاريع التعزيز هذه لن تؤتي ثمارها إلا على المدى المتوسط، مما يبقي البلاد عرضة لأزمات طاقة فورية خلال موجات الحر الصيفية.
وغالباً ما تواجه شبكة الكهرباء في تونس ضغوطاً خلال فصل الصيف، إلا أن موجة الحر التي شهدتها البلاد في يوليو الجاري شكلت اختباراً قاسياً وغير مسبوق، مما سلط الضوء على ضرورة تسريع وتيرة التحول الطاقي وتنويع مصادر توليد الكهرباء.
عن اندبندنت عربية
بقلم انتصار عنتر